عبد الملك الجويني

415

نهاية المطلب في دراية المذهب

الإسلام ؟ هذا فيه تردد ؛ من جهة أنا لو أوجبنا ذلك فرضاً على العين ، لزمنا ألا نفرق بين جمعٍ من الأسراء وبين أسير واحدٍ ، حتى نقول : إذا وقع مسلم في الأسر ، تحركت جنود الإسلام ، وهذا قد يبعد بعض البعد ، ويخالف السِّير . فإذا حصل التنبّه لما أشرنا إليه ، فالوجه عندنا القطع بإحلال استيلائهم على المسلمين محل استيلائهم على دار الإسلام ، وذلك أن دار الإسلام إنما يجب دفعهم عنها تعظيماً للمسلمين ، فإذا حصل الاستيلاء على المسلمين ، فالبدار إليهم أولى وأهم ، ولكن قد تختلف الأحكام باختلاف الصور ، فيظن من لا يتفطّن لدرك الحقائق أن الأمر يختلف . وبيان ذلك أنهم إذا أسروا واحداً أو جمعاً ، وهم على القرب من ديار الإسلام ، طرنا إليهم ، وإن توغلوا في ديار الكفر ، فلا يتأتى التسارع إليهم ، وخرقُ ديارهم ، وقد لا يستقلّ بهذا جنود الإسلام ؛ فإن أُحوجنا إلى ترك التسارع إليهم ، فعن ضرورة وأناةٍ [ عاملون ] ( 1 ) حاذرون على تقديم وجه الرأي ؛ فلو صار مَلِكٌ عظيم إلى طرفٍ من بلاد الإسلام ، وعلمنا أنه لا يُلقَى إلا بالراية العظمى ، فلا نتسارج إلى دفعهم طوائف وآحاداً ، فإن الرأي أولى بالمراعاة من كل شيء . فإذا كان ترك التسارع يفضي إلى هلاك الأسرى ، [ مستشهدين ] ( 2 ) ؛ فإنا لا نستفيد بالتسارع استردادهم . هذا آخر ما أردنا إلحاقه . 11296 - والثاني - أن الكفار لو استولوا على مواتٍ أو جبل بعيد عن أوطان المسلمين وديارهم وقراهم ، ولكنه يعدّ من بلاد الإسلام ، فالذي رأيته للأصحاب أنهم يُدفعون كما يُدفعون عن الأوطان ، وفي هذا بعض النظر عندي ؛ فإن الديار [ تشرف ] ( 3 ) بسكون المسلمين ، فإذا لم تكن مسكناً للمسلمين ، فتكليف أهل الإسلام

--> ( 1 ) مكان كلمة بالأصل : لم نوفق لقراءتها ، وقد رسمت هكذا : ( لحومها ) بدون نقط وبدون علامة إهمال الحاء ، مع أنه يلتزمها ( انظر صورتها ) . ( 2 ) في الأصل : " مستشهدون " . ( 3 ) في الأصل : " تعرف " . وهو تصحيف واضح . والتصويب من لفظ الرافعي والنووي .